ليست هذه قصيدة عن ذبابة،
بل عن النقطة التي تفصل الكائن الصغير عن آلة الخراب،
وعن الإنسان حين يستعير طنين الحشرة
ليصنع منه دولة، وجمهورًا، وشبكة لا تنام.
تبدأ الحكاية من غرفة هادئة في المنفى،
وتنتهي عند شاشة تطن بلا أجنحة.
وبينهما تمر الذبابة من الذاكرة إلى السياسة،
ومن الكلمة إلى الدبابة،
بينما تظل بريئة من كل ما ارتكب باسمها.
منذ أن غادرت وطني،
لم تعد الذبابة
تعرف طريقها إلى غرفتي.
لم أرها تتردد عند الزجاج،
ولا تدور حول المصباح
كأن الضوء سؤال
لا تعرف كيف تخرج منه.
لم تهبط على حافة الكأس،
ولم تمش فوق المائدة
بذلك الاطمئنان الذي يثير الغضب،
كأن البيت لم يُبنَ لي،
بل تُرك منذ البداية
لمخلوق صغير
لا يعترف بالملكية.
في البدء
فرحت بالهدوء.
فتحت النافذة،
فلم أسمع جناحين
يصطدمان بالهواء.
وضعت رأسي على الوسادة،
ولم يقطع الطنين
المسافة القصيرة
بين اليقظة والإغفاءة.
لكن الصمت طال.
صار المكان كاملًا أكثر مما ينبغي،
نظيفًا إلى حد الشبهة،
ساكنًا كصورة منزل
حُذفت منه الحياة
بأداة إلكترونية دقيقة.
عندها فهمت:
لم أشتق إلى الذبابة نفسها،
بل إلى ذلك الوجود الصغير
الذي كان يخلّ بانتظام المكان،
فيثبت أنه ما يزال حيًا.
هنا، في الدنمارك،
تدخل الحشرات في حساب الطبيعة؛
فلا شيء فيها صغير
إلى حد أن يُمحى
من دون أن ينقص شيء
في الجهة الأخرى.
لكل يرقة
دين خفي في عنق طائر،
ولكل موت مجهري
فراغ لا يظهر
إلا حين يتسع.
أما أنا،
فكنت أطارد الذبابة
بمنشفة المطبخ،
وأدافع عن حدودي المنزلية
كحاكم دولة صغيرة:
الكتاب هنا،
والوسادة مستقيمة،
والشاشة لا يعبرها
إلا ما أسمح له بالظهور.
لكنها لم تكن تقرأ القوانين.
كانت تدخل من ثقب
لا يظهر في الدستور،
وتحط في أكثر الأماكن
حساسية وحداثة.
حتى ضلّت واحدة، ذات يوم،
طريقها إلى شاشة هاتفي.
وقف جسدها الأسود
على مربعات الضوء،
ثم مشت على صورتي،
من غير أن تعرف
أن الإنسان يضع وجهه في الشاشة
كي يتأكد من أنه موجود.
كبّرت الصورة بإصبعي،
فكبرت الذبابة معها.
اتسعت عينها
إلى مدينة من العدسات،
وصار الهاتف، حين اقتربت،
هو الكائن الصغير.
ثم وقفت
على جهاز الاتصال،
فوق العلامة التي تقول:
الجيل الخامس.
بدت كأنها وصلت
إلى بوابة سلالتها القادمة:
ذبابة من لحم خفيف
فوق جهاز
تمر خلاله ملايين الكلمات،
ولا يفهم واحدة منها.
رفعت جناحيها قليلًا،
كأنها تستعد للدخول،
لا إلى الغرفة،
بل إلى الهواء الآخر:
هواء الأسماء المستعارة،
والجيوش التي لا تنام،
والشتائم التي تصل
قبل أصحابها.
لم تكن تعرف
أن الإنسان سبقها إلى هناك،
وأنشأ ذبابًا
لا يحتاج إلى نافذة،
ولا يموت بالمبيد؛
ذبابًا يتكاثر بالنقر
ويتغذى على السمعة،
ويحط على الجملة
حتى يفسد معناها.
غير أن الذبابة
دخلت كتاب السياسة
قبل أن تدخل الشبكة
بسنوات طويلة.
استدعاها إلى السطر
شيطان برأس رجل،
فوضع الفرس واليهود والذباب
في سطر واحد،
كأن الخلق قائمة أخطاء
يملك حق شطبها.
لم تعرف الذبابة
فارسيًا ولا يهوديًا،
ولم تطلب من السماء
أن تتراجع عن أحد.
كانت تبحث عن فتات فقط.
أما هو،
فكان يبحث عن كائن صغير
يعير البشر
قذارته في المخيلة.
حملتها يده
من المطبخ
إلى كتاب السياسة.
وكان صاحب المسودة،
كما كان الناس يسمونه آنذاك:
خال الحزب.
أما ابن أخته،
فسيتعلم لاحقًا
كيف تصير الكلمات سجونًا،
والصور تماثيل،
والمشي في الشارع تحديًا للسلطة،
والخوف نظام حكم.
يقول المثل:
ثلثا الولد على خاله.
لا أعرف حساب الدم،
لكن الخال
قد يسري في اللغة
أكثر مما يسري في العروق،
ويورث ابن أخته
عدوًا جاهزًا،
وقاموسًا يصغّر الإنسان
قبل أن يمحوه.
في مسودة الخال
كانت الكلمة:
وفي يد ابن أخته
سقطت النقطة
من فوق الذال،
فخرجت من الصفحة:
دبابة.
لم تكن الدبابة
مختبئة في الكلمة،
بل في المعنى
الذي كان ينتظر
أن يصير دولة.
خرجت بجنازيرها
من بين السطور،
ومرّت على الحدود،
وعلى المدن،
وعلى قبور
لم تكن قد حُفرت بعد.
في المسودة
كانت الذبابة إهانة.
وفي الدولة
كتبت الدبابة الإهانة
على البشر والحجر.
كم كانت النقطة خفيفة،
وكم كان غيابها ثقيلًا.
بعد ذلك
لم يعد الذباب
يحتاج إلى أجنحة.
ظهرت أسراب
لا تراها قرب المصباح،
ولا تسمعها عند الوسادة.
لها صور شخصية،
وأسماء وطنية،
وأعلام صغيرة
إلى جوار العبارات الكبيرة.
تكتب:
نحن الشعب،
ثم تهاجمه.
نحن الحقيقة،
ثم تلتف حول الكذبة.
نحن العراق،
ثم تقضمه حرفًا حرفًا.
لا تحط على الطعام،
بل على صاحب الرأي،
ولا تنقل المرض إلى الجسد،
بل إلى اللغة.
وحين تحاول طردها
لا تجد نافذة،
لأنها تربّت داخل الجهاز،
تعليق تعليق
الذبابة القديمة
كانت تأتي واحدة.
أما هذه،
فتدخل في هيئة جمهور.
الغرفة هادئة،
والشاشة نظيفة،
وجهاز الاتصال
يرسل إشاراته بلا انقطاع.
ومع ذلك
أسمع طنينًا.
لا يأتي من جناحين
ضاعا خلف الستارة،
بل من الشاشة التي لا تنام،
ومن الكلمات حين تفقد نقطتها، .
ومن الدبابة حين تعود
حسابًا مجهولًا
يدافع عن الخراب.
الذبابة الحقيقية غابت.
لكن الإنسان
أتقن طنينها،
ووصله بالشبكة،
ثم جلس في الغرفة
مطمئنًا إلى نظافتها.
أما أنا،
فما زلت أنظر إلى النافذة،
منتظرًا ذلك الوجود الصغير
يدخل بلا استئذان،
ويدور مرة حول المصباح،
ويخلّ قليلًا بانتظام المكان،
كي أعرف
أن الحياة لم تُطرد كلها
من المكان.
شواهد الوجود الصغير
عن العمل
قصيدة بصرية تبدأ من غياب ذبابة صغيرة عن غرفة في المنفى، ثم تتبع انتقالها من الطبيعة إلى الشاشة، ومن اللغة إلى الدبابة، ومن الجناحين إلى جمهور إلكتروني لا ينام.